الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

351

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتمام كلمة الرب مجاز في الصّدق والتحقّق ، كما تقدّم عند قوله تعالى : وتمت كلمات رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا في سورة الأنعام [ 115 ] ، فالمختلفون هم نصيب جهنم . والكلمة هنا بمعنى الكلام . فكلمة اللّه : تقديره وإرادته . أطلق عليها كَلِمَةُ مجازا لأنّها سبب في صدور كلمة ( كن ) وهي أمر التكوين . وتقدّم تفصيله في قوله تعالى : وتمت كلمات رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا في سورة الأنعام [ 115 ] . وجملة لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ تفسير للكلمة بمعنى الكلام . وذلك تعبير عن الإرادة المعبّر عنها بالكلام النفسي . ويجوز أن تكون الكلمة كلاما خاطب به الملائكة قبل خلق الناس فيكون لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ تفسيرا ل كَلِمَةُ . و مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ تبعيض ، أي لأملأن جهنم من الفريقين . و أَجْمَعِينَ تأكيد لشمول تثنية كلا النوعين لا لشمول جميع الأفراد لمنافاته لمعنى التبعيض الذي أفادته مَنْ . [ 120 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 120 ] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 120 ) هذا تذييل وحوصلة لما تقدّم من أنباء القرى وأنباء الرسل . . . فجملة وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ إلى آخرها عطف الإخبار على الإخبار والقصة على القصة ، ولك أن تجعل الواو اعتراضيّة أو استئنافية . وهذا تهيئة لاختتام السورة وفذلكة لما سيق فيها من القصص والمواعظ . وانتصف كُلًّا على المفعولية لفعل نَقُصُّ . وتقديمه على فعله للاهتمام ولما فيه من الإبهام ليأتي بيانه بعده فيكون أرسخ في ذهن السامع . وتنوين كُلًّا تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف المبيّن بقوله : مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ . فالتقدير : وكلّ نبأ عن الرسل نقصّه عليك ، فقوله : مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ بيان للتّنوين الذي لحق ( كلّا ) . و ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ بدل من كُلًّا . والقصص يأتي عند قوله تعالى : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ في أوّل سورة يوسف [ 3 ] .